القرطبي

376

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ولا تحسبن الله غفلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصر ( 42 ) مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ( 43 ) قوله تعالى : ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ) وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أعجبه من أفعال المشركين ومخالفتهم دين إبراهيم ، أي أصبر كما صبر إبراهيم ، وأعلم المشركين أن تأخير العذاب ليس للرضا بأفعالهم ، بل سنة الله إمهال العصاة مدة . قال ميمون بن مهران : هذا وعيد للظالم ، وتعزية للمظلوم . ( إنما يؤخرهم ) يعني مشركي مكة يمهلهم ويؤخر عذابهم . وقراءة العامة " يؤخرهم " بالياء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله : " ولا تحسبن الله " . وقرأ الحسن والسلمي وروي عن أبي عمرو أيضا " نؤخرهم " بالنون للتعظيم . ( ليوم تشخص فيه الأبصار ) أي لا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم ، قاله الفراء . يقال : شخص الرجل بصره وشخص البصر نفسه أي سما وطمح من هول ما يرى . قال ابن عباس : تشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة فلا يرمضون . ( مهطعين ) أي مسرعين ، قاله الحسن وقتادة وسعيد بن حبير ، مأخوذ من أهطع يهطع إهطاعا إذا أسرع ومنه قوله تعالى : " مهطعين إلى الداع " ( 1 ) [ القمر : 8 ] أي مسرعين . قال الشاعر : بدجلة دارهم ولقد أراهم * بدجلة مهطعين إلى السماع وقيل : المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع ، أي ناظرين من غير أن يطرفوا ، قاله ابن عباس ، وقال مجاهد والضحاك : " مهطعين " أي مديمي النظر . وقال النحاس : والمعروف في اللغة أن يقال : أهطع إذا أسرع ، قال أبو عبيد : وقد يكون الوجهان جميعا يعني الإسراع مع إدامة النظر . وقال ابن زيد : المهطع الذي لا يرفع رأسه . ( مقنعي رؤوسهم ) أي رافعي رؤوسهم ينظرون في ذل . وإقناع الرأس رفعه ، قاله ابن عباس ومجاهد . قال ابن عرفة والقتبي وغيرهما : المقنع الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه ، ومنه الإقناع في الصلاة ( 2 )

--> ( 1 ) راجع ج 17 ص 130 . ( 2 ) الإقناع في الصلاة أن يرفع المصلى رأسه حتى يكون أعلى من ظهره .